فوزي آل سيف

74

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

لهذا صبت بنو مخزوم جام غضبها على أسرة عمار -هو ووالديه- بعدما عرفت بإسلامهم، فأذاقوهم صنوف العذاب فكانوا يلبسونهم أدرع الحديد ويخرجونهم في حر الظهيرة ويلقون بهم على الرمضاء فتصهرهم حرارة الشمس إضافة إلى تعريضهم للجَلْد، فنالوا من العذاب ما نالوا، إلى أن مرّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله فتأثر لحالهم وقال لهم:(صبرًا يا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنة)، وقال لهم أيضا (صبرا يا آل ياسر، اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت) فلم يلبث الوالد ياسر أن مات تحت التعذيب، وأما والدته –سمية- فكانت أكثر مقاومةً حيث لم تمت تحت التعذيب فأزعجت هؤلاء القرشيين بأنها لم تتكلم بكلمة واحدة ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وكان بعض زعماء قريش يمرون بها ومنهم ابو جهل - عمرو بن هشام المخزومي وهو المرشح لرئاسة القبيلة- فيهددونها كي تقول كلمة واحدة فقط تشتم فيها محمداً أو تذكر الهتهم بخير لكي لا تكسر كبرياءهم بصمتها، وهي تصر على صمتها صامدة فتفتت بذلك هيكل شخصياتهم أمام غيرهم، فاستشاط أبو جهل غضباً وأخذ حربة وطعنها في قلبها فذهبت شهيدة إلى ربها. أما عمار فبلغ منه الألم مبلغه وكان وقت ذاك في نحو الأربعين عاماً وكاد يموت تحت التعذيب حيث كان يرمس وجهه في الماء ويمنع من التنفس حتى يكاد يختنق ثم يُرسل وهكذا فأعطاهم ما يريدون من لسانه وذكر آلهتهم بخير. وحين جاء عمار في اليَومَ الثاني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله باكيًا وهو في شدة الأسى والحزن يخفي وجهه عن النبي، وهو يقول: يا رسول الله ما تركوني إلا بعد أن ذكرت آلهتهم بخير، في حين جاء بعض المُزايدين ينتقدونه ويعيبونه بالقول: لقد كفر عمار! فإذا بالنبي يقول: (عمار مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه). إسلام عمار وبداية أهم التشريعات الدينية حادثة تعذيب عمار كانت بداية تشريع ديني هو من التشريعات الدينية للمؤمنين وهو تشريع التقية، وقد نزل بها القرآن الكريم في قوله تعالى: إ(ِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإيمان وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[200]التي يقول عنها الإمام الصادق عليه السلام: (التقية ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له)[201]. فهي دينٌ ومن لا تقية له لا دين له. ولا يخفى أن بعض المخالفين لمذهب أهل البيت عليه السلام وهم يعيبون على الشيعة الإيمان بالتقية والعمل بها، في الغالب لم يفهموا حقيقتها واعتبروها من النفاق!! مع أنها تعاكسه تمامًا. وفي كثير من الأحيان يكون هؤلاء المخالفون للتقية ممارسين لها إذا صارت ظروفهم تقتضيها، فهم يمارسونها من دون أن يأتوا باسمها! ولو نظر المخالفون في تاريخ قادتهم الدينيين لوجدوا أنهم عملوا بالتقية في زمان الحجاج الثقفي، وفي زمان المأمون والمعتصم العباسي في قضية (خلق القرآن) ومعاقبة من يظهر خلاف رأي الخليفة. مكانة عمار لدى النبي صلى الله عليه وآله

--> 200 ) النحل: 106 201 ) لمراجعة أحاديث التقية ينظر الخصال، الشيخ الصدوق، ص ٣٦